مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

يومٌ في حياة كاتب .. !!


ثمة معارفٌ لا يخرج منها الإنسان كما دخلها. وأخطرُ الطرق ليست تلك التى تقود إلى المجهول، بل التى تعيدك إلى نفسك شخصًا آخرا. فقد ظننتُ أننى سأكتب مقالًا... فإذا بى أكتب ما لم أكن أعرف أنه يعيش فى داخلى. إذ لم يكن ذلك اليوم مختلفًا... حتى بدأ العالم يبدّلنى دون أن يلمسنى.
فى ذلك اليوم، كان كلُّ شىء يبدو طبيعيًا... وهذا ما أقلقني.
استيقظتُ وأنا أشعر أننى نسيتُ شيئًا. ورغم ذلك قبل أن يحدث أىُّ شىء، كنتُ أشعر أن كلَّ شىء قد حدث بالفعل.
كلما حاولتُ أن أتذكر كيف بدأ الأمر، اختفى أولُ خيط. كان هناك خطأٌ ما فى هذا اليوم، لكننى لم أعرف أين يختبئ.
فى ذلك الصباح، لم أكن أخشى أن أفقد عقلى... بل أن أكتشف أننى لم أعد الشخص الذى نام الليلة الماضية.
شعرتُ منذ اللحظة الأولى أن شيئًا ما يراقبنى... دون أن أرى أحدًا. فلم يكن فى الغرفة أحد، ومع ذلك لم أشعر أننى كنت وحدى.
فلا أعرف فى أى لحظة بدأ الأمر، لكننى متأكد أنه لم ينتهِ بعد. كان القلق يعرف الطريق إلىّ، قبل أن أعرف أنا إلى أين أمضى.
منذ ذلك الصباح، لم أعد أستطيع أن أثق بما يدور فى رأسى.
فكلُّ تحوّلٍ حقيقىّ يبدأ من فكرةٍ يظنها المرء عابرة. وليست كلُّ الرحلات تُقاس بالمسافات؛ بعضها لا يتجاوز غرفةً واحدة، ويستغرق العمر كلَّه.. فلم يكن الخطر فيما سأكتشفه... بل فيما سيكتشفه داخلى.
لم يبدأ الأمر بضفدع... بل بفكرةٍ صغيرةٍ رفضت أن تغادر رأسى. فلم أكن بيولوجيًا... لكن يبدو أن الضفادع لم تكن تعرف ذلك.
كلُّ ما حدث بعد ذلك بدأ بنقيقٍ واحد... لا أعرف حتى الآن من أين جاء.. لم يكن الصوت مرتفعًا... لكنه كان كافيًا ليغيّر كلَّ ما جاء بعده.
فلم أكن أعلم أن إجازة زميلٍ واحد، قادرةٌ على أن تغيّر حياتى كلها.
لو أخبرنى أحدٌ أن الضفادع ستفسد علاقتى بالنجوم والكواكب، لضحكتُ ومضيت.
لذلك منذ ذلك اليوم، لم أعد أثق فى المصادفات الصغيرة.

------


(1) في صباحٍ بدا عادياً كصفحةٍ بيضاء، استيقظتُ، فتحت عيني على فكرةٍ مزعجةٍ لم تكن تخصّني: أنني ربما تحوّلت أثناء نومي، دون أن أشعر، إلى مخلوقٍ بيولوجي بالخطأ، إلى كائنٍ لا علاقة له بما كنت عليه بالأمس. لم يكن جسدي مختلفًا، لكن شيئًا ما في رأسي أخذ ينقّ مثل ضفدعٍ مبتلّ. جلستُ أمام المرآة أفتّش عن آثارٍ بيولوجيةٍ لشيءٍ لا أعرفه. الجو خانق، والهواء حارّ، والأرضية ساخنة، ولا شيء في الغرفة تغيّر سوى صوت مروحةٍ كأنها تحتضر، بدا وكأنه ينازع رمقه الأخير في نقيقٍ متقطّع. والمدينة تتصبّب عرقًا كما لو كانت تجرب أن تتبخر، كأنها كلّها في تجربةٍ علميةٍ ضخمةٍ لا أحد يعرف غايتها. شعرت أن شيئًا ما في الهواء يراقبني. لم يكن إنسانًا، ولا فكرةً واضحة، بل نقيقًا صغيرًا يتردّد في رأسي كأنه صدى بعيد لعلمٍ لم أدرسه يومًا. كنت أظن أنني صحفيّ يكتب عن المجرّات، لكن العالم قرر، على ما يبدو، أن يسحبني إلى مستنقعٍ من نوعٍ آخر.
ليست المشكلة في الضفدع نفسه، فكّرت، بل في ذلك الكائن الذي يرضى بالعالم كما هو؛ يعيش بين الماء والطين، ثم يقفز فجأة إلى مكانٍ لا يخطر على بال أحد. ربما لهذا السبب ظلّ يحضر في الأساطير والحكايات أكثر مما يحضر في كتب الأحياء. خطر لي، على نحوٍ غريب، أن الإنسان أيضًا يقضي عمره كله محاولًا أن يقنع نفسه بأنه لا يعيش في مستنقع، بينما يقفز كل يومٍ من فكرةٍ إلى أخرى، ومن يقينٍ إلى شك، دون أن يشعر.
حاولت تذكّر آخر مرة كتبت فيها عن نجمٍ بعيد، لكن رأسي كان مشغولًا الآن بمستنقع. لا أدري كيف حدث ذلك، غير أن كلمة “ضفدع” تسلّلت إلى وعيي كما تتسلّل الحرارة إلى جدارٍ خشبيٍّ قديم. لا أعرف لماذا، لكنني شعرت أن هناك ضفدعًا غريبًا يكتبني الآن من الداخل، يحاول إقناعي أن الحياة ليست سوى تجربةٍ بيولوجيةٍ فاشلةٍ لطالبٍ تائهٍ في معملٍ كوني.
 وضعت القهوة على النار، وانتظرت أن يفور الماء أو المعنى… أيهما يصل أولًا. جلستُ إلى مكتبي أتأمّل بخار القهوة، وأفكر إن كان هذا البخار هو آخر ما تبقّى من حلمي الفلكي. للحظةٍ خطر لي أن الكون ربما يمزح معي، أو أنه، على طريقته الساخرة، قرر أن يعيدني من الفضاء إلى الأرض — عبر ضفدعٍ يمدّ لسانه إلى الحقيقة. هكذا استيقظتُ في صباحٍ خانقٍ من شهر يوليو، والمروحة تدور مثل صحفيٍّ يبحث عن فكرةٍ ولا يجدها. كنت أظن أن أسوأ ما قد أتعرض له هو كتابة مقالٍ مملّ عن نيزكٍ مرّ بكوكبٍ مجهول، لكن القدر كان أكرم من ذلك، فأوكل إليَّ مهمة كتابة تقريرٍ عن الضفادع. نعم، الضفادع. جلست أحدّق في السقف وأتساءل:
_ " كيف انتهى بي الأمر هنا؟"
_ " هل كنتُ في اجتماعٍ خاطئ؟"
_ " أم أن الحياة نفسها أرسلت لي رسالةً ضمنية تقول فيها: أيها المسكين، لقد حان وقت العودة إلى المستنقع.."
أعددت كوب القهوة الثالث، وبدأت أتعامل مع الموضوع كما يتعامل كاتبٌ يائس… على أمل أن ينتهى الأمر دون نقيقٍ كثير. لم أكن أعرف بعد أنّ قدري في هذا اليوم لن يكون بين النجوم والكواكب، بل بين الضفادع. وأن المقال الذي سأكتبه عن الكواكب لن يبدأ بـ"وكالة ناسا" بل بـ"نقيق". كنت أشعر أن العلم خانني، وأن الحياة قررت — بسخريةٍ كونيةٍ دقيقة — أن تجعلني أكتشف نفسي من خلال ضفدع.
من نافذة كبيرة تطلّ، من ناحية الغرفة الشمالية، على حديقة، أمامى مباشرة، ورغم صيفية الطقس، كانت فى الأفق، غلالة كبيرة من سحب رمادية، ذات حوافّ بيضاء.. تتسلل من بينها، أشعة الشمس، فى منظر خلاب..
بضعة رؤوس أشجار كافور وسنديان عتيقة، ومجموعة أشجار موالح، بجوار سور خارجى، لفيلا قديمة، ينتهى جانبها الأيمن، بمبنى مرآب قديم. ترقد به كومة سيارة، أكلها الصدأ والتراب، لم تستخدم، من سنوات طويلة.. قمت لأطل برأسى، على الحديقة، التى إختفت ممراتها الحجرية الدائرية، تحت بواقى أوراق وأغصان وأعواد نجيل وأعشاب، جافة. لم يرفعها أحد، منذ زمن.
تجاوزت الحرارة الأربعين،.. كان الهواء يدخل الغرفة متعبًا، ثم يسقط على الأرض قبل أن يصل إلينا، فى مكتب بالطابق الثانى، حيث لا هواءا، غير هواء ساخن حار، من مروحة سقف متهالكة، بصوت ينازع رمق الحياة الأخير، بدت كعاملٍ عجوز يؤدى عمله لأنه لم يجد من يسمح له بالموت...  بمكتب يجمع أربع محررين، بحسنة وحيدة.. تلك النافذة، التى تُطل على الحديقة، والمرآب المنزوى، بجوار العامود الأيمن، لبوابة حديدية.
نظرت مليًّا وأنا أفكر — بسخريةٍ مبلّلةٍ بالعرق — أنّ أكثر ما يمكن أن يكون مألوفًا، في هذا الحرّ، هو أن يُكلَّف رجلٌ بائسٌ بكتابة مقالٍ عن الضفادع.
ماذا يمكن أن يكون مألوفا، وأنا أفكر فى نهايات قصص بائسة وموت، فى الفضاء؟!
ماذا يمكن أن يكون أكثر، من ستارة أمواج هبو ساخن، قادم عبر نافذة حجرية، مع حرّ، قد غزانا. لم يعتد مثله، من قبل.. استولى على الحياة. وعلى الأحياء؟!
كاد كل شئ يشتعل. يتوهج. جفت الكلمات. إحترقت العبارات، مع إرتفاع كل درجة، وصيف ينفث حرارة أحشائه، فى الوجوه. تبلل الورق، بالعرق.. بالأنامل، إلتصق.. بحثت أوراق الشجر، عن نسمة هواء، تحييها.. الطريقة الوحيدة، أن تكون ذرّة جافة، في صلاة صامتة، تحت وطأة الحرّ.. أن أجلس إلى مكتب، ذى أدراج متتالية رأسيا. أعبث، من حين إلى آخر، بمقابض نحاسية مصبوبة. وقدماى مفرودتان أسفل قرص غليظ، بأرجل مخروطية سميكة. تغطيه أكداس من الأوراق والملفات. تحيط بأرفف كبيرة، لكتب، ترتكز على جدران الغرفة، وتملأ الأركان.
إسترخيت، في مقعد خشبى، ذى لون بنى داكن، بظهر عريض عال، ومسندين  ناعمين.. أتسائل، ونفسى، وسراب الصيف الخادع:
_ " ما هذه الخيالات.. ما تلك الظلال؟!.." 
_ " ماذا يحدث،.. ما هذه الحرارة.. ليتنى كنت، فى كوكب آخر؟!.." 
منعنى صوت المروحة، أن أفكر  بهدوء، أو حتى بصوت عال، بغرفة مكتب، مجلد سقفها وجدرانها، بالخشب.. معدّة لتخزين البشر. لا.. لعمل محررين، بمجلة علمية.. بين ألواح، بملمس طبيعى وأرضية باركيه. هذا، ما لم أكن أعرفه أبدا، حتى هذه اللحظة..
_ "كيف تنشر كل المجلات والصحف أخبار إكتشافات علمية جديدة، فى عالم الضفادع، ولا ننشر خبرا واحدا ؟!" 
_ " لا بد أن يكون فى عددنا، بسبتمبر شئ ما، عنها.." 
حقيقة الأمر، لم أكن قد قرأت شيئا قبل ذلك، عن هذا الموضوع الحيوى. حاولت إخفاء جهلى، أمام رئيس تحرير غاضب، وهو يلقى باللائمة علىّ،.. إحمّر وجهه، حانقا.. يواجهنى، بنبرة حادة:
_  "هذا عملك هذا الأسبوع.. إنجزه.. "
مللتُ إقناعه، أنى مختص بشئون الفلك وأخبار الكواكب الجديدة!
أجبته بحدّة مكبوتة:
_ " لست بيولوجيا.. ما لى، والضفادع ! " 
ببساطة شديدة ردّ، مشيرا إلى بإبهامه، بإصرار عكسته عيناه، من خلف زجاج نظارته، قائلا :
_" الأمر منتهٍ. المحرر البيولوجى بأجازة مصيف. لن يعود، قبل عشرة أيام.. عليك بالأمر..! "
فى هذا الطقس الحار، كان جحيما محاولة جمع مادة، عن عالم مخلوقات، لا أعرف عنه، غير اسمه.. لا رتبة. لا فصيلة. لا نوع. ولا مثل مصطلحات، إنفرد بها علماء الأحياء، دون غيرهم. ما كنت على دراية عميقة، بمصطلح واحد منها. وربما منذ عقود، لا تبلغ ربع عمر مبنى، نعمل به، وتقع به مجلتى..  تلك الفيلا القديمة ..
نهاية الأمر، لا مفرّ. كان علىّ إنهاء المقال، بشكل أو بأخر، للنجاة، من مأزقى. علىّ أن أحب الضفادع، هذا الأسبوع، لأكتب عنها. حاولت إقناع نفسي، أن أكتب. أن أحبها أكثر.. أن هذه فرصة كبيرة، ومصدر إلهاء كبير، عن حرارة الجو، ورطوبته العالية. ليست صدمة، أو إحباطا. أو شيئا، من هذا القبيل.
حسنا، ليست مشكلة، أن أكون بصحبة الضفادع. أحبها سبعة أيام، قبل أن يحلّ موعد الإصدار القادم، لعددنا الشهرى الجديد. مفارقة غريبة.. يوم، يوافق نهاية عامى الرابع، كمحرر مختص، بالفلك وأخباره. كان ما ينقصنى، فى هذا الطقس الصيفى القائظ، أن أكتب عن الضفادع،.. إحتفالا، ببداية عام خامس، بالمجلة!

.... 


(2) لم أعرف من أين أبدأ.. سرعان ما وضعت ورقة بخطوات وجدول إنتهائى، من المقال.. كان لا بد من وضع موعدا محددا، لإنجازه. عملت أكثر من سبع ساعات متصلة. وقد نويت تعديل صفحات، قمت بجمعها وترتيبها حسب أهميتها. تركت الحاسب. أخذت موسوعتين وبقية أغراضى، لأكمل عملى، بالمنزل. حاملا قلة معرفتى وأوراقى.. متابعا مسيرى، إلى عالم ضفادع مجهول. لكننى كنت غير متأكد، مع هذا القيظ والمعاناة،  من نهاية اليوم، وبقية إهتماماتى وشئونى.. تركت للظروف، وما يتاح لى من وقت، أن أقوم بكتاباتى الأخرى.
كان علىّ أولا، الاتصال أو مقابلة أحد المتخصصين، من علماء الأحياء، فى الجامعة. صباح اليوم التالى، إلتقيت بدكتور صلاح فرج الله، أستاذ علم الحيوان،  بعد تحديد موعد معه. قابلنى بإستقبال حافل، جعلنى أتفائل أنى سوف أخرج، من مكتبه بكلية العلوم وقد إستحوزت منه، على كل ما أريد.. إجابات عن أسئلة، قمت بتحضيرها، مسبقا..
إستقبلنى عند الباب،.. قدّمت له نفسى:
_ " ناجى زياد .. محرر علمى.. مجلة شئون علمية" 
مادّا يده مصافحا، كأنه ينتظرنى منذ سنوات:
_ " أخيرا، هناك من جاء يسألنى عن الضفادع!!.. أهلا أستاذ ناجى تفضل.." 
سألته مستثارا بإستقباله الحار، لا أعرف، أم لأهمية الضفادع:
_ " ما هى آخر إكتشافات حديثة، يتحدث عنها المجتمع العلمى العالمى؟! "
_" كيف تأخرنا، عن نشر أخبار، هامة مثل هذه، تزيل أميّتنا العلمية، عن الضفادع؟! "
فوجئت به هو، من يدير دّفة الحديث، لكن عن الضفادع المصرية وتربيتها. كان قد غرق، فى مقعده الجلدى الكبير، بجسمه الضخم.. لم يترك لى فرصة واحدة، فى مقاطعتته. ولم أستطع، من نبرة صوته العالية، كأنه فى محاضرة..
كتمتُ غيظى، وقد إستمر فى إخبارى:
_" كيف تُشكل الضفادع مشروعا، مربحا للشباب " وهو يشير إلىّ ..
ولم يترك لى فرصة أو أخرى، للسؤال مرة ثانية، شارحا:
_" مشروع تربية الضفادع مربح جدا. جيد فعلا. مشروع مستمر وبدون توازن بيئى. إنتاجا وتصديرا. حية أو مذبوحة. والتعبئة تحت إشراف بيطرى كامل، لضمان الجودة. أرباحا طائلة هائلة. "
سألته، لأخفف من حدة غيظى، ربما نعود، لموضوعنا :
_" كم يلزم للمزرعة؟ وهل هناك علاقة لهذا بأمر الاكتشافات الحديثة؟! "
أجابنى سريعا:
_" لا تحتاج، لرأس مال كبير. ليس له أى أدوات. مجرد، مبان مزرعة مفتوحة، فحسب، لإنتاج ضفادع التصدير.. "
وحاولت أن أجاريه، حديثا، حتى لا أياس ربما يعطينى إجابة عما أريد. لكنه، إستمر على نفس الوتيرة، كمن يسُّمع شيئا ما، يحفظه.. اضطررت، وأنا أكاد أنفجر، إلى تصّنع الإستماع، لأهمية حديثه.. متصّنعا بهزّ رأسى.. إلى ما يخبرنى به، وقد رجع بظهره إلى الوراء، قائلا :
_ " حقا الشباب، فى حاجة إلى مثل هذا المشروع الفريد.." 
ودون أن أسأله  أجابنى، عن الأرباح وغذاء الضفادع مبينا، ومردفا بإسهاب أكثر:
_ " العائد كبير جدا مقارنا بالتكاليف. تربية الضفادع غير مكلفة، لأنها تتغذى على حشرات الماء وديدان الأرض والطحالب والحشائش، بشكل رئيسى. يصل سعر الطن، إلى حوالى خمسة وعشرين ألفا من الجنيهات شتاءا، جديرة بأن تدفئك.. وثمانية عشر ألفا، صيفا، تزيل عنك هجيره.." 
حاولت مبادلته الحديث، محرجا.. لكن بإقتضاب شديد، مجبرا، لعلى، أقتنص إجابة ما.. وقد ناولنى من ثلاجة صغيرة بجانبه، مشروبا مثلجا.. وعلى مضض، مرغما سألته:
_" من فضلك اشرح لى.. "
وبصلابة رد، ولم يترك لى فرصة توضيح، ماذا أريد  بينما كنت أجول بناظرىّ، بأركان المكتب، مستجمعا تركيزى، الذى تشتت وهو يشرح أكثر:
_" تربية الضفادع الخضراء سهلة للغاية. يحصل عليها، من الفلاحين. يقومون باصطيادها، بأوقات متأخرة ليلا. عليك شراء خمسمائة ضفدعة يافعة، مرة واحدة. كاملة النمو. سوف تتكاثر، بعد ذلك. والأوزان تتضاعف، سنويا. ستضطر إلى التوسعة. أحواض أكثر. ومساحات أكبر، سنة بعد أخرى.. "
وأضاف، مرة أخرى، وبإثارة شديدة، وهو يعدل من جلسته، فى مقعده، وبصعوبة:
_" لا غذاء. ولا دواء. فهى تلتقط الحشرات. فقط مساحة مياه نظيفة، تضمن استمرار حياتها وحصولها على ما يكفى، من حشرات. ذباب. نمل. جراد. عناكب. عقارب. يرقات. وكذلك الديدان بأنواعها.. "
ورغم أنى شعرت أنه إنحشر، فى مقعده الوثير، الذى هبط بوزنه، فقد كان مهتما جدا بمَ يقول:
_" عليك حرث أرض الحشائش. تقليمها، على فترات، للإحتفاظ بارتفاع مناسب، يمكنك من إصطيادها. موسم التكاثر، فى أشهر أبريل. مايو. ويونيو، من كل عام.. "
اضطررت، إلى سماع كيف اكتسبت الضفادع المصرية شهرة واسعة، من خلال حسائها ووجباتها، خاصة أرجلها الخلفية، بالمطاعم الفرنسية والإيطالية والسويسرية.. فى الوقت الذى كنت فيه مشغولا، بالتفكير كيف سيقوم من مقعده الذى أطبق عليه
أخبرنى باسما، وكادت ابتسامته، تعلو شاربه الأبيض المقوس:
_ " حساء الضفادع المصرية الطبق الرئيسى الأشهى، على موائد الفنادق والمطاعم الكبرى.. يطلقون عليه " رنا ريدو نيدا".. " 
استولى على ذهنى شاربه الكبير، وقد وقف على جانبيه، ضفدعان أخضران، ينظران إلىّ.. أفقت من خيالى، وهو يطلب مساعدته، فى القيام، من مقعده..
أصّر وهو يودعنى، بعد أن ساعدته، فى النهوض، أن يمنحنى كتابا، من مؤلفاته، بعنوان:
_" رنا ريدو نيدا.. الضفادع المصرية الخضراء إستثمارك الأمثل ".
كانت قد مرّت ساعتان، دون جدوى.. فقدت أملى، فى معلومة أو إجابة واحدة عمّا جئت، من أجله..
على جانب الطريق، تجمّعت مياه قليلة في حفرةٍ صغيرة تركها عاملٌ يرشّ الأشجار منذ الصباح. كانت المياه ساكنةً تمامًا، حتى خُيّل إليّ أنها قطعة زجاجٍ وُضعت في التراب. وقفتُ أمامها لحظةً، أحدّق في انعكاس وجهي، ثم انصرفت، بعدما بدا لي أن صورتي هي الوحيدة التي كانت تتحرك، بينما بقي الماء أكثر هدوءًا مني.
ذهبت.. وفى طريق عودتى، والكتاب تحت إبطي طاردتنى مخيلتى، من جديد، جموع ضفادع تعدو وتقفز فى الطريق، على الأشجار.. بين البنايات.. على السيارات.. وقد علا نقيقها أصوات أبواقها.. تندّرت:
"حقا، ضفادعنا وصلت، إلى العالمية.. تتربع، على عرش أرقى وأشهر المطاعم الفرنسية والأوروبية، فى وجباتها الرئيسية"   لكننى نسيت أن أسأله:  "إن كان قد تناول شيئا أو تذوق، حساء الضفادع الخضراء.. أم لا؟" 
خرجت.
وقفت عند بوابة الكلية، كان صبيٌّ لا يتجاوز العاشرة يجلس القرفصاء إلى جوار مجرى ماءٍ ضحل، بركة ماء صغيرة.. يراقب شيئًا في صمت. اقتربتُ، فإذا به يشير بإصبعه إلى نقطةٍ بين الحشائش، وقال دون أن يلتفت إليّ:
ــ" أحيانًا تختبئ طويلًا... لكنها تخرج إذا لم يزعجها أحد.." 
انتظرتُ لحظة، ثم مضيت. لم أسأله عمّا كان ينتظره، ولم يسألني لماذا كنتُ أحدّق في المكان نفسه.
كان ضفدع وحيد يخرج رأسه ثم يختفى.
ظل ينظر إليا دقيقة كاملة.
قلت لنفسي:
"على الأقل... هذا يعرف أنه ضفدع."
..... 


(3) عُدت إلى المنزل، حاملا ثروة معلومات قيّمة عن ضفادع، تنتظرها مطاعم العالم.. ولم أكن أنتظرها.. وهيّأت نفسى لإعداد المقال.. عدت لمراجعة وتنقيح ما كنت قد كتبته بالأمس، لأوسع مداركى قليلا. جلست إلى مكتبى، وأوراقى. قرأت بعض فقرات الإفتتاحية:
(مازال ممكنا، قيام علماء الزواحف والبرمائيات باكتشافات غير متوقعة. فصائل فقريات جديدة، بأماكن، نادرا ما تكون ذات تنوع بيولوجى. كل عام، يتم إكتشاف أنواع غريبة، من الضفادع.. 
وقرأت فقرة أخرى، مما كتبت بعدما عدّلتها:
(الضفادع حيوانات فقارية برمائية عديمة الذيل. تعيش في وسط مائى أو شبه مائى. برك. بحيرات. مستنقعات. وجداول.. تضع بيوضها فيها. تنتشر على نطاق واسع. موجودة بمعظم القارات. أنواع  كثيرة. أشكال عجيبة. ألوان غريبة. حيوانات ليلية، غالبا ما تخرج عند الغروب، بحثا عن طعامها. وفي النهار، تختبئ في جحورها..) 
وإستوقفنى كيف تدخل، فى الشتاء، ببيات شتوى.. نائمة بلا حراك. تستهلك أقل طاقة، لتبقى حية، لأطول مدة، بدون طعام. تظهر وترى بكثرة، بعد سقوط المطر. وفى موسم التزاوج، تخرج الذكور ليلا، فيسمع نقيقها، منادية الإناث.
وأكملت قراءتى، متنقلا، فى رحلة علمية ممنهجة، بين صورها الملونة، بالموسوعات، والتعليق العلمى، عليها هنا وهناك:
(تتغذى الضفادع في بداية حياتها، على الطحالب. يمكن أن تكون مفترسة. تتغذى على صغار الأسماك. على أقرانها. على المفصليات. الديدان. الحلزونات. على صغار الطيور. السحالى والفئران. أما الحشرات، فغذاء مهم لها. يساعدها لسان طويل دبق لزج، على إلتقاطها، بحركة سريعة..) 
ولم تفارق ذهنى، مقابلة الدكتور صلاح وأحداثها.. وسرعان ما وجدت بغيتى، فى موسوعة طبيعية، أشارت مؤخرا، إلى عدة إكتشافات حديثة عنها، فى ثلاث مناطق. جزيرة أندونيسية، ونيويورك، والإكوادور. ولم أكن قد إنتهيت، من فقرات مقالى، فأعدت قراءة بدايته. وأكملت ما بدأته.. ومضيت ساخرا، من نفسى، أعجب، من قدر غريب، جمعنى والضفادع، فى صيف قائظ ملتهب:
_ "ها أنا، ومقال عن الضفادع، وماذا تقتات.. "
_ " ها أنا، وضفادع سامة، جراء أكلها النمل ومفصليات سامة.
ها أنا، أحدّق فى غدد تفرز سموما، تحدث نوبات. هلوسات. سمية فى الأعصاب. ضيق بخلايا دم جسم فريستها. سموم مفيدة لسهام الصيد، وصناعة الأدوية، والمواد المخدرة !" 
_" ها أنا، وضفدع سهم.. يحتوى جلده على مادة قلوية سامة. جلد مسموم بالكامل. بمجرد  مسّه يتوقف نبض القلب، بأقل من دقيقة. ينتج كل يوم، ما يكفى للقضاء، على عشرة أشخاص مجتمعين..."
ظللت هكذا، على هذه الحالة، غارقا، فى صدفة، فى عالم ضفادع مثير. أخذنى القلق، أن أصبح واحدا منها...
وفى المساء، ورغم سخونة الطقس، حيت لم تهبط درجة الحرارة كثيرا عن نهار اليوم. ورغم ذلك، كان لابد أن أتقدم أكثر.. وجدت ضرورة تناول بعض إكتشافات أنواع الضفادع الغريبة، حول العالم.. وقد بدأت ملامح مقالى تظهر، وتتضح، شيئا فشيئا..
تركت المكتب.. كافئت نفسى بتناول عشاءا خفيفا، عبارة عن حساء خضروات مسلوقة. سرعان ما تركته، بعدما تذكرت حساء الضفادع الخضراء. لم أستسيغه، بعدما قرأته، وأخذ يهاجم مخيلتى، ضفادع مذبوحة. أرجل مقطّعة. ألسنة، تلتصق بها حشرات وطحالب ومفصليات..
وعدت، مرة ثانية، لإنتقاء بعض أخبار حديثة. رتبتتها تاريخيا. صنفتها نوعيا وجغرافيا. إستوقفتنى مسميات وأنواع.  رأيت، فى أشكالها خيال كتّاب الخيال العلمى، عن كائنات الفضاء. عيون جانبية جاحظة. وجوه غريبة.. أمر ما، ذكّرنى بالفضاء، وأخبار الفلك..
وإحتسيت فنجانا من القهوة ساخنا. بدأت أركز معلوماتى. خططت، بقلم برتقالى فوسفورى، تحت بعض السطور. غير أن هاتفى، لم يسكت عن الرنين. صرفت سمعى عنه، دون النظر لشاشته.. كان علىّ أن أنهى ما بدأت جمعه، من معلومات. ودخنّت بضعة سيجارات. وتعبأّ جوّ الغرفة بالدخان، رغم  دوران مروحتها. كانت سحبه، تدور معها، رغم فتحى للنافذة، على مصراعيها.
وتوقفت عند ضفدع ذهبى. يتميز ببشرة لامعة مشرقة، بلون برتقالى وأصفر.. زاهية. نوع فريد. له حويصلتان صوتيتان زرقاوان، على الجانبين. وأسنان قوية جدا. ومنه، إنتقلت إلى أكتشاف حديث، فى ساحل المحيط الأطلنطى بعد شكوك، تأكدت مؤخرا.. الضفدع الفهد !
ولم أشعر بمرور الوقت.. قبل، أن يأسرنى الضفدع الطحلب، الذى يشبه بشكله الخارجى الطحالب الخضراء والبنية، التى تنمو على الصخور. شكلً رائع، من أشكال التمويه الماهرة، والتخفى المثير.
ومن ضفدع الحليب الأزرق بالغابات المطيرة فى البرازيل، إلى الضفدع المهرج، الذى يعيش في أمريكا الوسطى والجنوبية. للأسف نوع مهدد، بالإنقراض. ربما لن نراه مرة ثانية، مستقبلا.


-----


(4) وعاد الهاتف، للرنين، من جديد.. فجعلته صامتا. وقد أخذت خطوة أعمق، لإكتشافات حديثة، فى عالم الضفادع. على سبيل المثال، زوجان أمريكيان. إكتشفا، بغابة رطبة، في الإكوادور، نوعا من ضفادع صغيرة، قادرة على التغير والتحول. طولها، ثلاث وعشرين ميليمترا. ظهورها، مغطاة بالشوك. وقفت، عند أول دليل جينى، على وجود فصيلة أخرى غامضة. ظلت غير معروفة لفترة طويلة. يصعب تمييزها. لها صوت مميز. تحيا، فى نيويورك المنخفضة الرطبة. أحد أزحم مناطق العالم.
وأكثر ما أدهشنى حينما وصلت، إلى ضفادع كورورو المشوهة، بجزيرة فيرناندو دى نورونها البرازيلية، التى تعج بها، إذ اجتاحتها منذ عقود. أصابها العمى والتشوه، فتغير أسلوب حياتها، تماما. تقريبا، أصبح نصفها مصابا بتشوهات، فى  الأفواه والعيون والأطراف. غير سوية الشكل.. ذات طبيعة جسدية مختلفة. وبعضها، له فكّ أو أنف أو فم غير طبيعى، بالمرة. تأكل أى حشرة، تسير فوقها. لا تختار فريستها!
ووجدت تعليق العلماء:
(ليس معروفا سبب تشوهها أو سبب إصابتها بالعمى؟!
مضيفين:
لا يعرف أحد متى أو كيف وصلت، إلى الجزيرة؟!
الغريب، أننى وجدت إشارة مثيرة، بأحد الموسوعات.. إذ يُروى أن كاهنا أو راهبا نقل معه بعض الضفادع، من البرازيل إلى الجزيرة منذ حوالى مئة عام، لمكافحة حشرات، تتلف مزروعاته. ويتساءل المختصون، عن سبب تشوه الضفادع، بهذا الشكل؟!
ربما كان السبب بكتيريا. طفيليات. فيروسات. ما زال، لم يُعرف إجابة هذا السؤال بعد !) 
لكن، من المؤكد أن العوامل ذاتها، يمكن إمتداد أثرها، مستقبلا على كائنات أخرى فى الجزيرة، بحيث يعتبر ما جرى، للضفادع بمثابة إنذار مبكر، فينتشر الضرر والتشوه والعمى..
-------
(5) كتبت ومضيت قدما، فى المقال، الذى بدأت سماته وأفكاره تنجلى.. لكن، لم تمر دقائق، حتى رنَّ جرس الهاتف مرة أخرى. أضاءت شاشته، فأغلقته. وقد أوشكت أن ألخصّ معلومات مثيرة، عن نوع آخر جديد، تم إكتشافه حديثا.. وأنا أحتسى فنجانى الثالث من القهوة..
(فصيلة نادرة من نوعها، على وجه الأرض. ضفادع أسيوية برمائية صغيرة الحجم. ذات أنياب، تعيش في جداول أنهار وبرك ضحلة صغيرة، بغابات مطيرة، لجزيرة أندونيسية. المثير، هو تشابه نمط تكاثرها الحيوى، مع تكاثرنا البشرى. تلد صغارها مباشرة، بخلاف ما هو معروف، أنها تبيض. لا تتبع طورها المعهود، فى دورة الحياة. تفعل ما بوسعها، لئلا تقع فريسة، لأنواع أكبر، من ثعابين وطيور. تتغذى عليها.  تختلف نهائيا، عن أكثر من ستة آلاف وأربعمائة نوعا، من الضفادع، في العالم..) 
واستزدت قليلا، متذكرا مقابلة دكتور صلاح فرج الله، وتزايد أعداد الضفادع، فى مزرعة، غير مكلفة:
(معظم الضفادع تبيض، لكن عثر على نوع جديد، يعيش فى جزيرة سولاويزى بإندونيسيا.. يلد. إكتشاف جديد غريب تماما. غير متوقع، إطلاقا. وضع تناسلى جديد وسلوك فريد، من نوعه بدلا من إخصاب خارجى. ولا تزال كيفية  إخصاب الذكور البويضات داخل الأنثى لغزا، لعدم وجود أعضاء تناسلية تقليدية.  شئ نادر..)
بدأت أتخيل مزرعة ضفادع، يمكن أن أنشئها..
قارنت هذه معلومات الأنواع الثلاث، بضفادع المطر الصحراوية، التى تتواجد، في المناطق الجافة والشواطئ الرملية. عديمة الذيل. فكتبت باللون الأحمر:
( أنواع  كثيرة. أشكال وألوان غريبة. تبيض كل سنة. وتقوم بالبيات الشتوى لتظهر مرة أخرى، عند هطول المطر، من مخابئ، تحت التراب، بقيت فيها، لأشهر عديدة. جائعة، طوال هذه المدة، باحثة عن طعام، بمجرد خروجها. وعندما يحل الليل، تنادى الذكور الإناث، ملبية نداء الطبيعة، ليبدأ موسم التزاوج. تدفن الأنثى نفسها، مرة أخرى، دافنة معها الذكر، ليقوم بمهمته البيولوجية. يخصّب بيوضها، تحت الأرض. بانتظار هطول المطر، من جديد. وسط رغوة، تحمي نفسها وبيوضها، من لهيب الشمس وحرارتها اللافحة. ثم تخرج فى الربيع، عائدة للحياة.. بعد فترة  حرجة جدا..) 
وأكملت باللون الأسود:
( تلك التى لم تقم بالبيات، حتى شهر يناير تموت أو تعيش عقيمة. ليس هناك فائدة من بيضها، فهو لا ينتج ولا يخصب. فى حفرة تحفرها بأرجلها الخلفية، هابطة، بالأرض بمؤخرتها، لتختفى، مختبئة، تحت التراب ..) 
وإنتهيت بمقارنة ضفادع زجاجية، تظهر للعين المجردة، فى الماء، فتبدو خضراء شبه شفافة. مع ضفادع مقرنة  ذات فم واسع. نوع شره جدا، تبتلع أى شئ، بقرب أفواهها. حشرات. قوارض. سحالى. وضفادع أخرى، حتى، وإن تسبّبّ ذلك، فى خنقها.
شعرت بقليل من الرضا، بعد أنى قطعت شوطا كبيرا، فى مقالتى، عن الضفادع. ونويت تنقيحها، صباح الغد. ولم أستطع مقاومة إرهاقى، إذ كان منتصف الليل قد حلّ، وشربت كثيرا من القهوة، وانتهت علبة دخانى.. وبدأ الحرّ يتزايد فجأة، وبشدة، رغم الليل. على غير عادة مثل هذا الوقت. حرارة لم يعتد مثلها، من قبل.. فإنتقلت إلى الفراش.. فتحت الهاتف، قبل خلودى للنوم، لأرى من المتصل. وجدت الرسالة التالية:
_ " ناجى.. قطعت أجازتى. أبلغت رئيس التحرير. أعود غدا لكتابة مقال الضفادع، ليلحق العدد الجديد!!.. *
ورغم هذه المفاجأة، لم أشعر، بخيبة عدم إكمال مقالى. وقد أنهكنى، ما جمعته عن الضفادع، وأتعبنى. ولم يمرّ كثيرا، حتى كدت أسمع نقيقا، بضجيج، يطرق رأسى.. لم ينقذنى منه، غير أنى تذكرت ما أخبرنى به دكتور فرج الله، عن ثمن  الضفادع، المرتفع.. شتاءا وصيفا. ولم أنس شاربه، وطرفاه اللذان يشبهان، رأس عصا معكوفة.. كغصنىّ شجرة، جافين..
شكرت المفارقة الغريبة، التى جابت بى أطراف الأرض، بين غابات وصحارى. على الأقل، كوفئت بفكرة مزرعة رائعة، لإنتاج الضفادع. لكننى خشيتُ إن أقمتها، ألا  تدخل ضفادعى، بياتا شتويا، حتى الربيع. خفتُ أن تعيش أو تموت عقيمة. ألا يكون هناك فائدة، من بيض، لا ينتج ولا يخصب، أبدا.. كرحلة فى الفضاء، بلا عودة،..
إبتسمت، فلم أعرف كيف سيكون اسمى، على مقال عن الضفادع، وليس الكواكب والنجوم.. وعدت محادثا نفسى، مرة ثانية، وقد إنقشع دخان، الغرفة وتبدد،.. أمام دوران المروحة، ودوران رأسى، هائما مع الضفادع:
_ " لست بيولوجيا. ما لى ومخلوقات، مثل الضفدع الفهد أو الطحلب. ضفدع الحليب الأزرق أو الذهبى المشرق. ضفادع سامة، أو زجاجية شفافة. مقرنة،  أو قادرة على التغير والتحول، والتخفى.." 
قمتُ من مقعدي، واتجهت إلى النافذة الشمالية. كانت الحديقة كما تركتها صباحًا؛ أشجار الكافور والسنديان، المرآب القديم، والممر الحجري الذي ابتلعته الأعشاب اليابسة. لم يتغير شيء في الخارج، حتى السحب الرمادية كانت ما تزال معلقة عند الأفق، كأن النهار لم يغادر المكان بعد. وحدي شعرت أنني أنظر إلى المشهد بعينين ليستا اللتين بدأ بهما هذا اليوم.
التفتُّ نحو النافذة الشمالية نفسها، التى بدأت منها حكايتى. كانت الأشجار ما تزال فى أماكنها، والمرآب الصدئ، والسماء التى خفَّ عنها وهج النهار. لم يتغير الخارج كثيرًا، لكننى شعرت، للمرة الأولى، أننى أنظر إليه بعينين ليستا اللتين استيقظتا هذا الصباح.
فتحتُ النافذة قليلًا، أبحث عن نسمةٍ لا وجود لها. فى أسفل الحديقة، كانت خرطوم مياه تُرك مفتوحًا قليلًا، فتجمعت عند جذع شجرة بركة صغيرة، يلمع سطحها تحت آخر ضوءٍ باهت. لم أدرِ أكان النقيق الذى سمعته قد جاء من تلك البركة، أم من مكانٍ آخر، أم من رأسى الذى قضى أسبوعًا كاملًا بين الضفادع.
عند حافة الممر الحجري، حيث انتهى ظلُّ شجرة الكافور، كان ضفدعٌ صغير ساكنًا فوق حجرٍ مبتلّ. لا يقفز، ولا يلتفت. لم يقفز حين رآني، ولم أقترب منه. ظلّ هناك، كما لو أنه يعرف المكان أكثر مما أعرفه أنا. ظلّ كلٌّ منا في مكانه، كأن بيننا معرفةً قديمة لا تحتاج إلى تفسير.
وجدتُ نفسي أنحني قليلًا، كأنني أخشى أن أزعجه، أو أن أقطع عليه أمرًا يعرفه وحده. لم أفكر هذه المرة في اسمه، ولا في فصيلته، ولا في اسمه العلمي، ولا في المقال الذى كتبته عنه طوال الأيام الماضية. اكتفيتُ بأن أنظر إليه لحظة، ثم اعتدلتُ فى هدوء، وعدتُ إلى غرفتى.
وحين هممت بإغلاق النافذة، جاءني نقيقٌ خافت، منفرد، لا أدري أخرج من الحديقة، أم من البركة الصغيرة المختبئة بين الأعشاب، أم من مكانٍ أبعد لا يُرى. أغلقت النافذة، لكن الصوت بقي معلقًا في داخلي.
أغلقتُ النافذة بهدوء.
وراء ظهري، كانت المروحة تدور بالصوت نفسه الذى ضجرتُ منه منذ الصباح. لم تكن قد أصبحت أكثر هدوءًا، ولم تكن الغرفة أقل حرارة. الشىء الوحيد الذى بدا مختلفًا، على نحوٍ يصعب تفسيره، هو أننى لم أعد أسمع دورانها بالطريقة نفسها.
استدرتُ نحو الغرفة. كانت المروحة ما تزال تدور بالصوت نفسه، متعبةً كما كانت منذ الصباح، تدفع الهواء الحار في دوائر لا تنتهي. لم تكن هي التي تغيّرت، ولا الغرفة، ولا الصيف. وحدي كنت أشعر أن شيئًا خفيًّا استقر في داخلي، كأنني خرجت من هذا اليوم بشخصٍ لا أعرفه تمامًا.
ولمتُ نفسى كثيرا:
_ "ما لى وما يشابه نمط تكاثرنا البشرى. تلد ولا تبيض. ما دخلى، بضفادع مطر صحراوية، تدخل بياتا شتويا مختبئة، لتظهر مرة أخرى، عائدة بعد إختفاء.." 
وأخذتنى دوامة:
_ "لماذا أفكر بضفادع مشوهة، أصيبت بالعمى، دونما سبب معروف. لست ذاك الراهب الذى نقلها معه، إلى جزيرة، منذ حوالى مائة عام. لست بيولوجيا.."
هكذا قضيت وقتى سُدى، بطقس حار، وجحيم صيف لافح، لا يطاق. أخيرا، وصحبة مشروع مربح جدا، الضفادع المصرية الخضراء. هكذا، دنتُ بمعرفة بيولوجية جديدة، لأجازة محرر علمى زميل، لا أعرف.. أم لرئيس تحرير مجلة غاضب. أم لمتخصص عاشق للضفادع!
أدركت أن الإنسان لا يختار دائمًا العلم الذى يقوده، بل إن العلوم هى التى تختار أحيانًا صاحبها.
أدركتُ فجأة أن كلَّ ما ظننته موضوعًا للمقال، لم يكن سوى طريقٍ قادني إلى شيءٍ آخر. لم تكن الضفادع، ولا المجرات، ولا المروحة القديمة، ولا حتى هذا الصيف اللاهب، إلا علاماتٍ صغيرة على طريقٍ لم أكن أعرف أنني أسير فيه. بدا العالم، للمرة الأولى، أوسع من أن يُفسَّر، وأقرب من أن يُقال. واكتفيتُ بأن أترك السؤال مفتوحًا، مثل نقيقٍ بعيد، لا أعرف إن كان قد جاء من الحديقة... أم من داخلي.
غالبنى النعاس، وأنا أتخيّل طبقا، من أرجل الضفادع، فى هذه الليلة الحارة.. كيف يبدو شهيا، فى أحد مطاعم أوربا..!
ورغم كمية القهوة التى إحتسيتها، أخذت جفونى تتثاقل.. ذهبت مع سحاب صيف يتهادى، بحوافه البيضاء، وقد تسللت أشعة شمس ذهبية، خلاله. عبر رؤوس أشجار كافور وسنديان عتيقة. منظر النافذة الشمالية المطلّة، على الحديقة.. مشرفة، على أفق بعيد.. نمت، وصدى صوت، يتباعد، مع السحاب، فى السماء:
_ "رنا ريدو نيدا".. "رنا ريدو نيدا"..!!